لماذا لا يحضر ملوك المغرب حفلات الزفاف ومناسبات الجنائز ؟

نادرا ما يشاهد المغاربة أحد ملوكهم، على الأقل خلال فترة الملوك الثلاثة: السلطان الراحل محمد الخامس، والملك الراحل الحسن الثاني، والملك الحالي محمد السادس، يحضرون إلى حفلات زفاف أو يأتون إلى مناسبات عزاء، سواء من عائلاتهم أو من مواطني شعبهم.

ومن تلك اللحظات القليلة التي عاين فيها المغاربة بشكل مباشر ملكهم يحضر حفل زفاف ما، ما شاهدوه قبل سنوات خلت عندما حرص الملك الراحل الحسن الثاني على التواجد في حفل زفاف كريمته الأميرة لالة مليكة، كما ترأس الملك محمد السادس لحفل قران ابنة شقيقته سكينة الفيلالي.



وأما في مناسبات الموت والجنائز، فلا يشارك فيها ملوك المغرب في العادة، حيث يكتفون بحضور رمزي لجنازات عائلاتهم القريبة خاصة، ومن ذلك عدم مشاركة الملك محمد السادس في دفن عمته الأميرة للا عائشة، حيث استقبل موكب الجنازة في قصر الرباط، لكنه لم يذهب للصلاة عليها و لا لحضور مراسيم دفنها.

مؤشرات تاريخية

جريدة هسبريس الإلكترونية حملت هذا الموضوع إلى الأكاديمي الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش، أستاذ التاريخ بجامعة مكناس، حيث قال إن الجزم ـ تاريخيا ـ بعدم حضور ملوك المغرب حفلات الزفاف والجنائز يبقى نسبيا وليس مطلقا”.

وتابع بوتشيش بأن الحوليات التاريخية لم تول اهتماما لهذا الجانب، بقدر ما أولته للجانب السياسي والعسكري، مما يفسر ندرة الإشارات إلى مسألة حضور ملوك المغرب لحفلات الزفاف والجنائز”.

وأشار المؤرخ إلى بعض الاستثناءات، من قبيل ابن خلدون والناصري اللذان تحدثا عن حضور السلطان المريني أبو سعيد عرس ابنه أبي الحسن المريني، إذ قال صاحب الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى: “احتفل السلطان أبو سعيد رحمه الله لوفدها ـ يقصد الأميرة الحفصية فاطمة التي تزوجها ابنه ـ وإعراسها بما لم يسمع بمثله في دولتهم”.

هيبة الملوك

وبرأي بوتشيش فإنه يمكن تفسير عزوف ملوك المغرب عن حضور حفلات الزفاف ومناسبات الجنائز بثلاثة مقاربات، الأولى أن سبب عدم حضور ملوك المغرب للأعراس والجنائز يُعزى إلى ما يعرف بالآداب السلطانية”.

وتنصح الآداب السلطانية، وفق بوتشيش، الملوك بجعل حياتهم متميزة عن حياة الرعية لحفظ الوقار والهيبة التي كانت من بين الأدوات التي وظفتها السلطة لكسب احترامها وطاعتها، بدليل ما ذكره أبو بكر محمد الحضرمي صاحب كتاب “الإشارة في تدبير الإمارة”.

وأوصى الحضرمي أحد الأمراء المرابطين بالقول: “ولا تكثر الانشراح الدال على الفرح ولا الانقباض الدال على الحزن”، علما أن الانشراح يرافق الحفلات والحزن يصاحب المآتم. وفي موضع آخر من الكتاب ينصح السلطان بعدم الإكثار من الظهور والاختلاط بالرعية.

وفي نصوص أخرى، يردف بوتشيش، يطالب صاحب الكتاب كما هو الحال عند غيره من مؤلفي كتب الآداب السلطانية الملوك بالتميز عن الرعية، وعدم الاختلاط مع عامة الناس، لما لذلك من تأثير على هيبة الحاكم”.

حياة السلطان والأعراف

وذهب أستاذ التاريخ بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس إلى أن “المقاربة الثانية في تفسير هذا الموضوع تتمثل في كون الملوك اعتبروا حضور هذه الاحتفالات أمرا شخصيا لا يدخل في بنود البيعة التي انعقدت بينهم وبين رعاياهم”.

واسترسل بوتيش “لذلك لم يكن هناك ما يلزم الملك المبايع من الناحية القانونية بحضور هذه الحفلات أو المآتم، بخلاف أمور الجهاد والعدل والتمسك بالكتاب والسنة التي كانت في صلب التعاقد بين السلطان والرعية، والتي هي فرض عين، بينما حضور الأعراس والجنائز مسألة شخصية تشكل جزءا من حياة السلطان الخاصة”.

أما المقاربة الثالثة، يضيف المتحدث، فتتعلق بمراعاة عادات وأعراف سارت عليها السلطة الحاكمة، وهو ما يفسره ما ذكره صاحب كتاب الاستقصاء نقلا عن ابن خلدون بأن حضور السلطان المريني أبو سعيد حفل زفاف ابنه أبي الحسن المريني كان خروجا عن المألوف بالقول “بما لم يسمع بمثله في دولتهم”، مما يدل على أن العرف اقتضى عدم حضور سلاطين هذه الدولة لحفلات الزفاف” يؤكد بوتشيش.

هسبريس




قد يعجبك ايضا
اترك تعليقا