سيدة مغربية تحول بيتها مضافة لمرضى السرطان

ليس من العسير العثور على مسكن السيدة خديجة القرطي (64 عاما)، في حي “يعقوب المنصور” الشعبي، وسط العاصمة الرباط، فهذا المنزل المتواضع أصبح محجا لعدد كبير من النساء مريضات السرطان، حيث يقمن به أياما طوالا بالمجان، أثناء تلقيهن حصص العلاج بالمستشفى المتخصص بالمدينة.

وفعلا يستغرب المرء، كيف تمكنت هذه السيدة، رغم أميتها وإمكانيتها المادية المحدودة، من تحدي مرارة معاناة فقدانها لزوجها وأختها جراء هذا المرض، لتقوم بتخصيص مسكنها مأوى مجانيا للنساء المصابات بمرض السرطان.
تحكي “أمي خديجة”، كما تلقب داخل مستشفى مولاي عبد الله بالرباط وداخل أوساط حيها، أن فكرة إنشاء مأوى لتلك المريضات، جاءت بعد أن عاينت أثناء مرافقتها في مرحلة العلاج لزوجها وأختها الراحلين، المعاناة القاسية للمرضى، خصوصا النساء منهم، القادمين من مدن نائية، بسبب التعب والإنهاك والفقر وغياب أمكنة لإيوائهن أثناء فترة العلاج.



p

لا تنكر القرطي في حديثها للجزيرة نت أن فكرتها التي تحولت حاليا إلى جمعية تحمل اسم “جنات لإيواء مرضى السرطان ” ، انطلقت من الصفر ودون تخطيط محدد، من خلال دعوة تلقائية للنساء اللائي لا يجدن مأوى أثناء فترة علاجهن، للإقامة بمنزلها، مضيفة أن المبادرة وجدت صدى كبيرا، حيث عممت بعد ذلك عنوان مسكنها من خلال بطاقات خاصة في المستشفى، حيث تستقبل يوميا ما بين 35 و40 امرأة.

ومع ذلك لم تبد القرطي أي انزعاج بسبب تزايد الإقبال على مسكنها من قبل نساء مصابات بالسرطان، ينحدرن من مناطق مختلفة بالمغرب، معتبرة أن حلمها الأبدي هو أن يظل بيتها، بعد أن وعدها أبناؤها (ولد وبنت) بذلك، “مفتوحا لهذه الخدمة لوجه الله حتى بعد وفاتها”.

ورغم ضعف الإمكانيات اعتبرت القرطي أن “البركة الإلهية” حاضرة في توفير مؤونة ومصاريف النساء المقيمات في المنزل، الذي لاحظت الجزيرة نت أن طوابقه الثلاثة المتواضعة، إضافة إلى السطح تحولت إلى غرف كبيرة مفتوحة لإيواء المريضات.

وقالت في هذا الصدد إن تبرعات المحسنين تسد أغلبية النفقات، سواء العينية أو المادية، إضافة إلى الجهود التي يقوم بها عدد من الشباب معها في الجمعية في مرافقة ومساعدة المرضى، خصوصا أن أغلبهن من كبار السن الذين يعانون العوز والأمية.

ولأن معاناة مرضى السرطان لا تقف في الإيواء، فقد مكنت جهود القرطي في إطار الجمعية، من اقتناع السلطات في مدينة الرباط بإيجابيات مبادرتها، فوفرت لها سيارة لنقل المرضى إلى المستشفى أثناء فترة العلاج والإقامة في المنزل، إضافة إلى دعم تبرعات المحسنين لاقتناء بعض الأدوية.

ولاحظت الجزيرة نت أن العديد من المريضات المقيمات في المنزل يمارسن، رغم الإنهاك البادي عليهن، حياتهن الطبيعية من طبخ وتنظيف، حيث قالت زهرة، القادمة من تازة شرقي المغرب، إن “إحساس الأمان الذي تمنحه لها الإقامة في المنزل، يخفف عنها معاناة المرض، والبعد عن أهلها لبعض الفترات”.

وفي هذا الإطار قالت القرطي إن “مرضى السرطان يجتمعون في المنزل أسرة واحدة، وينقلون مجانا إلى المستشفى، بل الأكثر من ذلك أصبحوا يقومون ببعض الرحلات الجماعية الأسبوعية خارج الرباط”.

ورغم الجهود التي تبذلها السلطات المختصة في المغرب في الأعوام الأخيرة لمواجهة مرض السرطان، من خلال بناء مستشفيات جديدة متخصصة في عدة مدن، وتقديم إعانات في العلاج، وتجهيز مراكز حديثة لإيواء المرضى وأحيانا أسرهم بالنسبة للأطفال، فإن العدد الكبير من المصابين بالمرض، الذي تحدده إحصائيات رسمية في أزيد من 30 ألف مصاب سنويا، يطرح مزيدا من التحديات.

وفي هذا الإطار تعتبر القرطي أن أملها الحالي هو أن تتضافر جهود جميع المغاربة، وتتوسع فكرتها، لتشمل كل الأحياء والمدن المغربية، من منطلق التضامن الإنساني. مضيفة أنها مستعدة لتقديم خبرتها في هذا المجال لأي شخص أو جمعية محلية تسعى لتحقيق ذلك.

elyaoum ©




قد يعجبك ايضا
اترك تعليقا