تفاصيل وتقاليد أعراس دار
 المخزن “نهار الحزام , باب القصر, 7 أيام العرس …”

لم تكن أعراس دار المخزن لتمر دون نظام صارم، ووفقا لتقاليد وعادات عريقة يرجع بعضها إلى ما يزيد عن 5 قرون، ظلت محفوظة بين أسوار القصور، التي احتضنت حفلات الزفاف وطقوسها بلياليها السبع إن لم تصل إلى الأربعين. جدرانها كتمت أسرار اختيار عروس السلطان ومن والاه من أميرات وأمراء.

ويظهر، من خلال المعلومات المتوفرة حول التقاليد المتبعة من لدن سكان القصر في إدارة أعراسهم، أن المغاربة يحاولون جاهدين تقليد هذا النموذج، مقتبسين العوائد والمسميات السلطانية، خلال حفلات أعراسهم. هذا التأثير يلمس جليا في اللقب الذي يطلق على العريس طيلة أيام الاحتفال (مولاي السلطان)، رغم ما تتميز به كل جهة من أعراف متفق عليها، حتى بات العرس المغربي بمثابة نموذج مصغّر لأعراس دار المخزن.

هذه الأخيرة كان لها من البذخ والصرامة، خلال مختلف مراحل الزفاف، ما أثار وما لا يزال يثير فضول الشعب المغربي حيال أجواء وخبايا عقود القران داخل القصور.

أيام العرس :

كانت مدة وليمة الزفاف التي يقيمها السلطان لا تقل عن سبعة أيام وقد تبلغ الأربعين ليلة، يقدم خلالها كل ما جادت به الحضرة الملكية من مشتهى الطعام وطيّب البخور والعطور، يتطوف به الخدم على الحاضرين، المنتشين بموسيقى وأصوات المغنين والمطربين الذين كانوا «لا يفارقونهم ليلا ونهارا سائر أيام الوليمة»، والأجواء نفسها تتمتع بها الزوجات ومن حضرهن داخل القصر. وما إن يحين عصر ليلة العرس حتى يُؤتى بـ«الخيول المطهّمة، مسرّجة لركوب المحتفل لعرسهم»، بحضور أفراد من القبائل وفرسان الجيش، إلى جانب الموسيقيين من عازفي المزامير وأصحاب الطبول، فيتكلف «وزير» كل عروس بحمله إلى أن يوصله صهوة الجواد المخصص له ليمتطيه وهو ملتحفا بإزار أبيض دون أن يتمنطق بحزام، ويضع فوقه برنسا (سلهام بغطاء الرأس) يكون لونه في الغالب أخضر أو أبيض، ووجهه مغشى بالغطاء المنسدل من برنسه. وكان من العادة أن يمسك بلجام فرس كل عروس واحد من «أصحاب الأروى» (المكلفون بالخيل والإسطبلات السلطانية)، يعين مسبقا لتولي هذه المهمة، إضافة إلى اثنين منهم يقفان عن يمين العروس وشماله «يروحان عليه بمناديل من حرير أخضر في الغالب»، ثم يتحرك الجمع في احتفال ضخم و«حفاوة تتجسم فيها ضخامة الملك وعظمة السلطان» على حد توصيف الإخباري المذكور، حيث جرت التقاليد على أن يمر هذا الجمع من العرسان ومرافقيهم بساقية يجري فيها الماء، أو يتوجهوا إلى زيارة أحد الأضرحة الشهيرة، حيث تقرأ الفاتحة ترحما على الدفين من الصلحاء، ليقفل الجمع عائدا إلى القصر إلى أن يبلغ أحد «مشاوريه» (أحياء العبيد الملحقة به)، ليقف هناك مدة من الوقت فاسحا المجال أمام مظاهر الاحتفال، فتختلط موسيقى الطبول والمزامير بأصوات طلقات «أصحاب التبوريدة» وهم يتسابقون بخيلهم إلى أن تغيب الشمس، «فترجع تلك الهيأة المنظمة أبدع
نظام» إلى المحال التي خرجت منها، ليجد كل عروس «وزيره» في انتظاره، إذ يقوم بحمله على ظهره من صهوة الحصان إلى أن يوصله إلى المكان المخصص لجلوسه. وبعد أداء صلاة العِشاء، يظهر العرسان في «موكب فاخر» وهم متوجهون صوب إحدى ساحات القصر حيث توجد المنصة المعدّة لجلوسهم، فيبدأ الضيوف من عمّال وولاة وأعيان ورؤساء الجيش وغيرهم من الفئات المقربة من القصر في الحضور إلى مكان الاحتفال. وخلال هذه الليلة، تقدم أواني الحناء المجلوبة من داخل القصور لتدلك كل عروس القليل منها في يدها، ثم يُؤتى بـ«مائدة من صفر» (صحن من النحاس بأربعة أرجل قصيرة) تخصص لوضع الهدايا المقدمة من لدن المدعوين، حيث يقوم المكلفون بوضع «كل ما قدّم في كيس أو غلاف ويكتب عليه اسمه»، بغرض إعداد لائحة تضم أسماء المدعوين وما جادوا به على العرسان، لكي يتسنى للسلطان معرفة قيمة الهدايا التي قدّمها كل واحد منهم.

نهار الحزام
في عصر اليوم الموالي، تُقام الكراسي للعرائس «يجلسن عليها في أفخر زينة، والمغنيات والمطربات يدفّْفن ويغنين أمامهن إلى أن تصلى المغرب»، ساعتها يسمح لهن بالخروج إلى أزواجهن. وعلى هذا المنوال، تستمر الاحتفالات والطقوس حتى اليوم السابع، ليحتشد الجميع من رجال ونساء بغرض وضع الأحزمة وعقد الأزرار؛ فقد جرت العادة على أن لا يتمنطق أحد بحزام، ولا أن يشد أزرار ملابسه طيلة أيام العرس إلى أن يحين
اليوم السابع، لذلك سمّي بـ«نهار الحزام»، فتنتهي الاحتفالات بهذا الطقس الغريب الذي لا تعرف دلالته، ليغادر منهم الغرباء عن القصر وهم محملين بالهدايا من «الملابس والصلات والعوائد»، في حين تخصص مساكن بساحات القصر لمن ينتسب إلى العائلة الملكية. أما إذا كانت العروس من الخدم السلطاني، فيعد للزوجين محل للقاء ما بين الغروب والفجر. وتجدر الإشارة إلى أن زواج السلطان أو أحد أبنائه كان يرافقه عقد قران عدد من الشباب الذين تعذر عليهم فتح بيت للزوجية، فيحتفل بزفافهم داخل القصر، وينالون الهدايا والعطايا من صاحبه الذي تشملهم رعايته حتى بعد العرس، وفق ما أورده الأستاذ التازي، الذي أشار إلى أن هذا العادة تعود أصولها إلى ما يناهز الخمسة قرون؛ فقد كان أول من أحدثها المولى إسماعيل.

وتذكر بعض المصادر، التي كتبها من أتاحت لهم الأيام تذوق طعم العيش وراء أسوار القصور، بأن التقليد المتبع أثناء زواج الأمراء هو عقد قران أربعين من العبيد خلال اليوم نفسه، فتجهز لهم بيوتات صغيرة داخل حرم القصر يذهبون إليها ساعة الفراغ من الخدمة. ومن بين ما أورده الضعيف الرباطي في تأريخه للدولة العلوية ما شهده الشارع الفاسي من مظاهر الفرح والبهجة احتفالا بزواج ابني السلطان المولى سليمان، حيث يصف الأجواء قائلا: «وخرج أهل فاس لوادي فاس، وأباح السلطان السلو والطرب؛ حتى أن من فعل ذنبا لا يعاقب عليه لأجل عرس ولد السلطان».

باب القصر.
نقطة اللاعودة
من بين أغرب التقاليد التي كان سلاطين المغرب يقيمونها خلال عقد قرانهم، تلك التي ذكرها المؤرخ عبد الهادي التازي حينما قال في أحد تصريحاته الصحافية بأن «عقد الصداق أو الزواج يتم بباب القصر وليس بداخله»، ثم أشار معلقا: «وهو أمر يدخل في إطار الدلالات الحضارية والرمزية لزواج الملك، ويقصد به إشعار المرأة أو الأميرة بأنه لا مجال أمامها للعودة إلى بيت أهلها، وأن على كلا الجانبين تحمل الآخر»، ليضيف متحدثا عن رمزية هذه العادة بالقول إنها «دلالة رمزية لطيفة تبين إلى أي مدى أن الملك وزوجته، رغم مركز كل واحد منهما، فإن اللقاء المقدس بينهما لقاء يقوم على ميثاق يقوم على التآلف والتحاب إلى آخر لحظة».

عن alaan24 بتصرف




قد يعجبك ايضا
اترك تعليقا