التربية الإسلامية في الحياة اليومية

إنَّ مَن ينظر إلى المسلمين من الشبان في هذا العصر، يجد كثيرين منهم متهاونين مستهترين، لا يفكِّرون في الناحية الرُّوحية والدينية، لا يؤدون فرضًا، ولا يشعرون بما أوجَبه الدين، ولا أُبالغ إذا قلت: إنهم لا يعرفون كيف يتوضَّؤون أو يصلون، ولا سبب لهذا إلاَّ إهمال التربية الدينية في البيت والمدرسة.

ولكي يكون التعليم الديني مثمرًا؛ يجب أن ننحوَ فيه الناحية العملية أكثر من الناحية الإخبارية، ونوجِّه الأطفال من الصِّغر إلى الحياة الدينية بالطريقة العمليَّة؛ طريقة القدوة والمحاكاة.



وقد أجمَع العلماء والفلاسفة على أنَّ الدين أقوى دعامة في النهوض بالأخلاق بين الأفراد والجماعات، وقد ثبَت في علم النفس أنَّ نزعة التديُّن نزعة فِطرية في الإنسان، والشعور الديني استعدادٌ فطري في طبيعته، وأنَّ الإنسان وحده هو الذي انفرَد بهذه النزعة الدينية دون غيره من المخلوقات، ولكنَّ هذا الميل الديني يحتاج إلى مَن يُنَمِّيه ويُربِّيه ويُقوِّيه من الطفولة في نفوس الناشئين.

يقول الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم -: ((كلُّ مولود يولَد على الفطرة، وإنما أبواه يهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يُمَجِّسانه))، ومعنى هذا: أنَّ الله خلَق الإنسان متديِّنًا بسليقته وفِطرته، وأن كلَّ مولود يولَد قابلاً للخير والشر، قابلاً لأن يسير في طريق الفضيلة أو طريق الرذيلة، ولأبَوَيه تأثيرٌ كبير في عقيدته الدينيَّة، فيتديَّن بدينهما، وأنَّ أوَّل واجب على المدرسة أن تعمل على تقوية هذا الميل الديني في نفوس الأطفال، وتساعد في تربيتهم تربية دينية قويمة؛ كي ترسخَ العقيدة الدينية في نفوسهم، ويظهرَ أثرها في أخلاقهم وأعمالهم، وإنَّ الشباب حقًّا في كثير من الحاجة إلى تربية إسلامية رُوحية تَجتذب عقولهم، وتسمو بأرواحهم، وتُعينهم على ما يَعترضهم من المشكلات الخُلقيَّة والاجتماعيَّة.

واجبنا نحو تربية الشباب تربية إسلاميَّة:
لكي نربي الشباب تربية إسلامية حقَّة؛ يجب أن نراعي الوسائل الآتية:
1- أن يكون في الثقافة الدينية غذاءٌ رُوحي توضَّح فيه الأسباب، ويُدْعى الطالب إلى البحث والتفكير، وتُرضى غرائزه الاجتماعيَّة؛ حتى يعمل الشاب عن عقيدة، ويعمل بتفكير.

2- أن توضَّح الشؤون الدينية توضيحًا شائقًا جذَّابًا، وفي الإسلام ثروة رُوحية عظيمة يجب أن ينتفع بها الطالب، فرُوح الإسلام، والأخلاق الإسلامية، ونظام الأسرة، وحقوق المرأة في الإسلام، والعلاقة بين الفرد والمجتمع، وحياة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وعَظَمته، وسِيَر الخلفاء، وأبطال الإسلام، وجهود المفسِّرين في تفسير القرآن الكريم، وشَرْح الأحاديث النبوية – كل هذه ثروة رُوحيَّة إسلاميَّة، يستطيع الطالب أن يدرسَها دراسة مستفيضة؛ حتى يشعر برُوح الإسلام وعظمة الدين الإسلامي.

3- يجب أن نشجِّع الفتيان والفتيات بكلِّ وسيلة من الوسائل على أداء الفرائض الدينية من صلاة وصوم وزكاة؛ باستثارة البواعث الدينية النفسيَّة، وترغيبهم وتشويقهم بغير إكراه، وتفهيمهم حِكمةَ فرائض الدين، واستمالتهم إلى أدائها برغبة قلبيَّة وعقيدة راسخة، كما يجب أن نُشجِّعهم على الاشتراك في الجماعات الدينيَّة؛ لإرشادهم وتوسيع ثقافتهم الدينيَّة.

4- يجب أن نَربط الدراسة الدينيَّة الإسلاميَّة بالحياة الحاضرة، وأن نعملَ على توثيق الصِّلة بين الدين الإسلامي والحياة، فليس الدين جزءًا من الحياة، وليس منفصلاً عن الحياة، ولكنَّه متَّصِل بالحياة كل الاتصال، غير أنه في حاجة إلى مَن يفهمه ويُدرك رُوحه.

ومجمل القول: يجب أن يعلم كلُّ مَن يتقدَّم لتربية الشباب، أن الدين الإسلامي دين رُوح وعاطفة، ودين مَنطق وتفكير سليم، واجتماع وحياة، فإذا أردنا أن يكون للدراسة الدينية أثرٌ في النهوض بأخلاق الشباب؛ وجَب أن نبثَّ الدين في نفوس الشباب، وأن ندرِّسه لهم دراسة مستفيضة؛ حتى يرسخَ في قلوبهم، وأن نعلِّم الدين الإسلامي؛ لنبثَّ الرُّوح الديني، ونُرسله إلى قلوبهم مودَّةً ورحمة، وننشر التربية الدينية الحقَّة في جميع مراحل التعليم حتى الجامعة.

الفرق بين الدين عند الأطفال والدين لدى الشباب:
يختلف الدين عند الأطفال عن الدين لدى الشباب، وهناك فرْقٌ بين دين الطفولة ودين الشباب، كالفرق بين تفكير الطفل وتفكير الرجل، وتجارِب هذا وتجارب ذاك؛ لأن الأُفق العقلي للطفل محدود، وتجاربه في الحياة محدودة، ومعرفته للعالم قاصرة، وليس في استطاعته أن يُدرك حكمًا عقليًّا عامًّا، أو يكون مُدركًا كليًّا، ولا يكاد يتجاوز دائرة المُدركات الحسيَّة المحددة، فالطفل يستطيع أن يُدرك المحسَّات، ولا يستطيع أن يدرك المعاني المجرَّدة إدراكًا واضحًا؛ فهي بالنسبة له تُعَد ألغازًا، فلا عجب إذا قلنا: إنه يصعب عليه أن يُدرك معنى الوجود أو العدم، والقدم أو الحدوث؛ لأن معانيَها فوق مستواه العقلي، وهو مع هذا يتحدَّث عن الله، ويخاف الله، ولا يجد صعوبة حين تقول له: إنَّ الله يَراك وأنت لا تراه، وإنه عالِم بكل ما تعمله.

إنَّ الطفل يفكر في الله – سبحانه وتعالى – بالطريقة التي يفكِّر بها في أَبَويه، فهو يحب الله، ويُطيع الله، ويحاكي أبويه في الصلاة، ويؤدي ما أمره الله به حبًّا لرضاه، كما يفعل مع والديه وأساتذته، “فدين الطفولة دين فطري، محدود بعقليَّة الطفل وأفكاره المحدودة، وعَجْزه عن تقدير المشكلات التي يقدِّرها عقل الشباب”.

وفي الرجولة يستطيع الإنسان أن يُدرك الأمور الرُّوحيَّة والمعنوية، ويَفهم المبادئ الخلقية والفلسفة الدينية، ويُمكنه أن يَستنبط الأحكام الكليَّة المنطقيَّة، ويَفهم حكمة التشريع.

وفي مرحلة الشباب تتحوَّل تلك النظرة الضيِّقة القصيرة – التي كانت لديه في الطفولة – إلى نظرة أخرى واسعة شاملة بالتدريج، ويرقى الشباب من مستوى المُدرك الجزئي المحدود إلى مستوى المُدرك الكلي العام، كما يرقى من مستوى الأمور المُحسَّة إلى مستوى التفكير المعنوي المجرَّد، ويصبح دين الشباب – إذا رُبِّي تربية دينية حقَّة – دينًا حيًّا، كلُّه نشاط وآمال وعواطفُ دينيَّة، فالواجباتُ والفرائض التي كان الطفل يؤدِّيها في عهد الطفولة بصورة شكلية آلية مصحوبة بشعور محدود، تؤدَّى في عهد الشباب المتديِّن – إن وُجِد – بصورة حيَّة، وإرادة قويَّة، وعواطفَ عميقةٍ، والتعبيراتُ الدينية التي كانت غامضة غير مفهومة لدى الطفل في عهد الطفولة، تُصبح واضحة جَليَّة في معانيها ومراميها في عهد الشباب، والآياتُ القرآنية والأحاديث النبوية، التي كانت تُقرأ وتُتلى، وتُحفظ بشكل آلي في عهد الطفولة – لعَجْز الطفل عن إدراكها وفَهم معانيها – تَترك الآن في نفوس الفتيات والفتيان أثرًا دينيًّا عميقًا، ويسألون عن تفسيرها، ويشتاقون إلى فَهم المراد منها، إذا عُنِينا بتربيتهم الدينية من الصِّغر.

وفي طور الشباب ومرحلة التعليم الجامعي، يجب أن نوسِّع ثقافة الطلبة من الناحية الرُّوحية والخُلقية والدينية؛ حتى ننهض بمستواهم الرُّوحي والخُلقي والديني، ونرى أثر التربية الإسلاميَّة في أخلاقهم وأعمالهم، وسلوكهم وتصرُّفاتهم، وبهذه الوسيلة نقضي على الإلحاد والمُلحدين، والاستهتار والمستهترين من الشباب.

ولكي نُدرك الروح الإسلامية على حقيقتها، والعَظَمة الإسلاميَّة كما كانت وكما ينبغي أن تكون؛ يجب أن نُعْنَى بالتربية الإسلاميَّة العناية الواجبة؛ حيث لا نبعث أبناءنا إلى العالم ونُخرجهم إلى الحياة، وليس لَدَيهم إلاَّ فكرة محدودة ضيِّقة عن روح الإسلام، والمُثُل الخُلقية العالية في الإسلام.




قد يعجبك ايضا
اترك تعليقا